Commentaries
Arabic
كولوسي
  
ملء المسيح ومصالحتنا لله بواسطة صلبه المؤلم
(كُوْلُوْسِّيْ 1: 19- 20)
19:1لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ,20وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ, عَامِلاً الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ, بِوَاسِطَتِهِ, سَوَاءٌ كَانَ مَا عَلَى الأَرْضِ أَمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ.


وجد بولس في سجن استجوابه تحت سلطة المستعمر الرُّوماني وقتاً وفراغاً كبيرَين، استخدمهما للصلوات والابتهالات والشكر متأمِّلاً كلمة الله المعزِّية؛ فأدرك أنَّ المسيح نال كل حكمةٍ حقَّة وقدرةٍ خالقةٍ وكلَّ علمٍ؛ فلم يختصّ فقط بملء الخلق والكون، بل أيضاً بكامل العلاقات الروحية مع الله ونعمته وقوى حياته، حتى تكلم رسول الأمم عن غنى المسيح الذي لا يُستقصى. وهكذا أدرك الرسول المسجون أنَّ كل ملء اللاهوت بجميع صفاته وأسمائه وقدرته يسكن في المصلوب المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. ولم يستحِ الرسول أن يطلب إلى أبي المسيح أن يُحِلّ محبَّة المسيح بملئها في أتباع ابنه وأن تثبت هذه المحبَّة فيهم(أَفَسُس 3: 19). فالرسول يوحنَّا عندما أصبح مُسنّاً، اعترف ببساطة استجابة الله إلى هذه الطلبة الرسولية واعترف بأنَّ مِن مِلئِهِ نحن جميعاً أخذنا، نعمةً فوق نعمة (متَّى 11: 25- 28؛ يوحنا 1: 16؛ 3: 34- 35؛ 17: 5 و10و19و20 ألخ).
كان هدف مسرة الله هو مصالحة البشرية الساقطة لنفسه، ولذلك أنشدت الملائكة عند ولادة المسيح في بيت لحم "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالنَّاس المسرَّة" (لوقا 2: 14). كتب بولس إلى أهل كُوْلُوْسِّيْ أنَّ الله القدوس أراد أن يصالح الكون كله لنفسه بواسطة المسيح المرسل منه (أَفَسُس 1: 9- 10؛ كُوْلُوْسِّيْ 1: 20). تكلم بولس بإعلان هذا السر عن رحاب السماء وقارات الأرض، ولم يتكلم عن جهنم والأبالسة. سُمِح للشَّيطان لمدة طويلة أن يدخل السماوات ليشتكي على الناس والأنبياء أمام الله (سفر أيوب 1: 6-2: 10). ولكن المسيح، بعدما صعد إلى السًَّماء وتربَّع على عرشه، طرح الشيطان خارجاً؛ ولكنَّ الشرير أخذ ثلث النجوم، أي الملائكة معه، لأنهم التقطوا عدوى أكاذيبه (رؤيا 12: 3- 4). حتَّى السماء احتاجت إلى التطهير والمصالحة مع الله.
ولم يتمّ قطع عهد السلام مع الله إلاَّ بسفك دم يسوع المسيح وحده على الصليب. وقد أدرك النبي الأخير من العهد القديم، يوحنا المعمدان، بأوضح بيان سر المسيح بعد معموديته في نهر الأردن، فقال لتلاميذه :"هُوَذَا حَمَل اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يوحنا 1: 29). وكتب الرسول بولس إِلَى الكَنِيْسَةِ في كُوْرِنْثُوْس:"إِنَّ اللَّهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ, غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ, وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ, كَأَنَّ اللَّهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ, تَصَالَحُوا مَعَ اللَّهِ. لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيئةً خَطِيئةً لأَجْلِنَا, لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللَّهِ فِيهِ" (كُوْرِنْثُوْس الثانية 5: 19- 21).
كتب الرسول بولس إِلَى الكَنِيْسَةِ في أَفَسُس من سجن استجوابه:"الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ, بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا, حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ" (أَفَسُس 1: 7- 8). أمَّا يوحنا الرسول فشهد قائلاً:"هُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ, بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضاً" (يوحنا الأولى 2: 2). وكان قد كتب قبلاً:"وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ, فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ, وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيئةٍ. إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيئةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ" (يوحنا الأولى 1: 7- 9).
ينبغي أن ندرك ونعترف أنَّ صلب يسوع المسيح هو محور خطة خلاص الله. ويشهد العهد الجديد مِراراً لأسرار كفارة المسيح على الصليب. وُلِدَ ابن مريم بدون خطيئة، ولم يخطئ طوال حياته بسبب قوَّة الروح القدس المتجسدة فيه. فكان هو الإنسان الوحيد المستحق أن ينوب عنا في دينونة الله ويحتمل قصاصنا. لقد كان حمل الذبيحة عن جميع الخطاة في العالم، كما كتب الرسول بولس:"الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّهِ, مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رومية 3: 23- 24).
أمَّا بطرس فقد شهد قائلاً:"عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى, بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ, مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ, بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ, كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ, دَمِ الْمَسِيحِ" (بطرس الأولى 1: 18- 19).
ونقرأ في الرِّسَالَة إلى العِبْرَانِيِّيْنَ الإعلان المثير أنَّه:" بِقُرْبَانٍ وَاحِدٍ قَدْ أَكْمَلَ إِلَى الأَبَدِ الْمُقَدَّسِينَ" (عِبْرَانِيِّيْنَ 10: 14).
طوبى للإنسان الَّذي اعترف لمخلّصه بسيئاته ونال منه غفران جميع خطاياه. يستحق هذا الإنسان أن يعترف مع الرسول بولس:"إِذْ قَدْ تَبَرَّرْنَا بِالإِيمَانِ لَنَا سَلاَمٌ مَعَ اللَّهِ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (رومية 5: 1).
نأسف لأجل سوء فهم بعض المؤمنين لمصالحة جميع الخطاة مع الله الآن وفي المستقبل. يحقُّ لهم أن يقولوا قد تمَّ الخلاص لجميع الناس. ولكن إن لم يؤمن الخاطئ بموت يسوع كفارة عنه وعن جميع الخطاة لا يحلّ الروح القدس فيه، ولا يربطه بجسد المسيح الروحي، ولا تنفعه مصالحتنا لله التي تمَّت حقاً. نعترف بمصالحة تامَّة مبدئيَّة لجميع الناس، ولكنَّ هذه المصالحة لا تتحقق إلاَّ في الإنسان الذي قبلها مؤمناً منكسراً شاكراً. لقد مات يسوع فعلاً لأجل جميع الناس، وصالح جميع اليهود والمسلمين والهندوس والشيوعيين مع الله. وليس من الضروري أن يموت ابن الله مرة أخرى على الصليب لأجل الكفار، ولكن إنْ لم يَقبل الكافر هذا الخلاص التام بشكر، ويحمد حَمَل اللهِ الوديع يتقسَّى ويبتعد تدريجياً عن مخلّصه. لقد أوضح يسوع بدقة:"مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ, وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مرقس 16: 16).
أعلن يسوع سابقاً بكلماته الوداعية: "أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ, إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ, لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي. وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيئةٍ.... أَمَّا عَلَى خَطِيئةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي" (يوحنا 16: 7- 9).
قد رفع يسوع في محبته العظمى جميع الخطايا المرتكبة في تاريخ البشرية، فمن جهة الحق لا توجد خطيئة الخطاة بعد. نحن أحرار ومتحررون من غضب الله، ولكنْ إنْ لم نؤمِن بمخلصه الفريد، ونشكر فادينا الأمين نسقط مجدداً في جميع خطايانا التي غُفِرَت مِن قَبْل، لأنَّنا لم نَقبَل الخلاص التام شاكرين. هذه هي الخطيئة الفاصلة أن لا نؤمِن باسم يسوع المسيح ومصالحته التامة.
طوبى للإنسان الَّذي يدرك أنَّ الرَّبّ يسوع فداه حقاً وصالحه مع الله القدوس نهائياً. طوبى للذي يشكره لهذا الامتياز ويقدم حياته له ذبيحة حمدٍ بدون تردد، ومِن ضمن تسليمه الكلِّي هذا لفادي الأنام ينبغي له أن يغفر لجميع أعداءه جميع أخطائهم ونياتهم الشِّريرة وإلاَّ فترجع عليه خطاياه المغفورة سابقاً (متَّى 6: 12 و14و15). إنَّ إيماننا بالرب يسوع المخلص الحي لا يعني مجرَّد قبول خلاصه عقليّاً وشكليّاً، بل يتطلب أن نرتبط به في وحدة روحية ممتلئة ونصبح أعضاء عاملين في كنيسته وهو رأسنا القدير الرحيم. فمَن يؤمن بيسوع ينبغي له أن يغفر كما غُفر له.

الصَّلَاة
أيُّها الرَّبّ يسوع، نسجد لك ولأبيك بواسطة الروح القدس، لأنَّ ملء اللاهوت قد حلّ فيك، أمَّا أنت فأخليتَ مجدك وصرتَ إنساناً بجميع التزامات الإنسانية، كما نحن، ولكن بدون خطيئة، ومتَّ عوضاً عنا على صليب العار. نتهلَّل ونفرح لأنَّ دمك يطهرنا مِن كل إثم، ونُعَظِّمك لأجل هذا الامتياز. آمين.
السُّؤَال
ماذا تعني العبارة أنَّ في يسوع حل الملء، وأنَّ دمه الكريم قد طهرنا مِن كل إثم؟