Commentaries
Arabic
كولوسي
  
9- جذورنا في المسيح
(كُوْلُوْسِّيْ 2: 4- 7)
2:4وَإِنَّمَا أَقُولُ هَذَا لِئَلاَّ يَخْدَعَكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ مَلِقٍ,5فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ غَائِباً فِي الْجَسَدِ لَكِنِّي مَعَكُمْ فِي الرُّوحِ فَرِحاً, وَنَاظِراً تَرْتِيبَكُمْ وَمَتَانَةَ إِيمَانِكُمْ فِي الْمَسِيحِ.6فَكَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ,7مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ, وَمُوَطَّدِينَ فِي الإِيمَانِ, كَمَا عُلِّمْتُمْ, مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِالشُّكْرِ.


كتب بولس قانون شهادة إيمانه أنَّ في المسيح مُذَّخَراً جميع حكم ومعارف وعلوم السماء والأرض، لكي لا يسقط المؤمنون الجدد في محيط أَفَسُس في تجربة الثَّرثرة. لق علم الرسول بخداع المخادعين وتضليلهم للمبتدئين في الإيمان بواسطة كلامهم الجذاب المنمَّق، وبواسطة حكمهم المزعومة ومعارفهم الزَّائفة؛ وكان قد كتب إلى أهل تسالونيكي:"امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ. تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ" (تسالونيكي الأولى 5: 21).
فقصد بهذه الكلمات ألاَّ يقبلوا الكلام الجذَّاب والعجائب العظيمة، لأنَّ النبي الخاطئ للمسيح الدجال سيقوم: بآيَاتٍ عَظِيمَةً, حَتَّى إِنَّهُ يَجْعَلُ نَاراً تَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الأَرْضِ قُدَّامَ النَّاسِ, وَيُضِلُّ السَّاكِنِينَ عَلَى الأَرْضِ بِالآيَاتِ الَّتِي أُعْطِيَ أَنْ يَصْنَعَهَا أَمَامَ الْوَحْشِ... (رؤيا يوحنا 13: 13- 15)
إنَّ مَن يُدرِك جلال الله غير المحدود في المسيح، ويلاحظ حكمة الله في المسيح، يموت عن جميع الفلسفات والمبادئ الحزبيَّة ويعيش من نعمة المصلوب. أكَّد الرسول بولس للمجرَّبين أنه لن ينساهم ولن يهملهم، وأنَّ أفكاره تدور حولهم، وصلواته ترتكز فيهم، فليسوا بعد منفردين في الأسئلة والشكوك والانتقادات. وأكد الرسول للكنيستين أنه فرح بعدما سمع من شيوخهم أنهم نظموا ترتيباً روحيّاً في اجتماعاتهم وخدماتهم، حتى أصبحوا فرقة موحَّدة للجهاد الروحي، مؤمنين بربهم ومخلصهم يسوع، ومدافعين عن إيمانهم تجاه مجرِّبيهم.
بَعْدَئِذٍ ذكَّر الرسول أتباعَ المسيح في كُوْلُوْسِّيْ ولاَوُدِكِيَّة باختبارهم في بداية إيمانهم. فهُم لم يقبلوا بشرى الخلاص مِن المصلوب المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ كأساس للبحث والمناقشة، بل اختبروا تطهير ضميرهم، ونالوا القوة المبنية على الإيمان، واجتمعوا بفرح السعداء المرتبطين بالمسيح. فعرفوا الله آباً لهم، وآمنوا بيسوع ابناً لله، وخضعوا للروح القدس كمعزيهم ومرشدهم، وقبلوا يسوع كمخلصهم الوحيد، لأنه هو الذي فداهم قبل إيمانهم وقبلهم كخاصته. فأساس بداية خلاصهم ليس قرار خلاصهم، بل هو محبة الله التي أعدَّتهم لخلاصهم، وقربتهم منه، وحققته فيهم. وسرُّ إيمانهم هو نعمة الله وليس اجتهاداتهم الخاصة ولا قيمتهم الشخصية. فهم كانوا مثل متسكِّعٍ ضالٍّ، يسير ليلاً في وادٍ عميقٍ، ويلاحظ فجأةً من بعيد نوراً ساطعاً، فيركض نحوه ويكتشف وضوحه أكثر فأكثر، حتى يقف أخيراً في هذا النور. هكذا قَبِل المدعوُّون والمقبولون من الرب ِأباهم، وفهموا أنه هو نورهم ومخلصهم دون أيِّ فكرٍ أجنبيٍّ أو تشويش، مغمورين بنعمته الدافئة والعظيمة.
طلب الرسول من مُحبِّي الفلاسفة والمتعصبين للشريعة أن يعيشوا كما ابتدأوا في إيمانهم. عِنْدَئِذٍ تبقى نعمة محبة الله المجانية وموت يسوع الكفاري شعارهم ومصدر القوة لإيمانهم، ويعيشون أمام الله مطهَّرين مِن المسيح في نعمته. عِنْدَئِذٍ لا تكون بوصلة حياتهم هي أعمالهم الخاصة، أو حُكم الفلاسفة، أو الوصايا ال613 في شريعة موسى، بل المسيح المقام مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ في بهاء نوره الذي جذبهم إلى ملجئه الأمين. حِيْنَئِذٍ يعيشون فيه، ويتصرفون كأعضاء جسده الروحي، ويُصبح كلُّ كلامٍ آخَر، أو فلسفات وبراهين أخرى كلاماً فارغاً وفانياً وسطحيّاً وعقيماً بعدَما اختبروا وعرفوا أكثر مِن مُضِليهم.
عَلِمَ الرسول أنَّ العواطف تبرد سريعاً، لذلك طلب مِن الكنائس أن يدرسوا يسوع ويتعمقوا فيه، ليعرفوه أكثر، ويختبروه عمليا،ً ويلتصقوا به متيقنين مِن عظمته ومحبته وقوته. بذلك يصبحون أشجاراً على ضفة النهر، جذورهم عميقة وتمتص القوة من الماء، ويأتون بثمر كثير. ليس من الضروري أن يتمموا هذا المثل بالتَّعمق في شريعة موسى، بل أن يمتلئوا بتفسير كلام يسوع (مزمور 1: 3؛ متَّى 5: 17- 20).
اقترح بولس على أعضاء الكنيسة أن يكونوا بنَّائين حكماء، لا يبنون بيوت سكنهم على الرمل في انحدارٍ جبلي، بل يدركون يسوع كصخر متين، يبنون نفوسهم وكنيستهم عليه (متَّى 7: 24- 27)، فيصفو إيمانهم، وتثبت محبتهم، ويكونون راسخين فيه.
اهتم الرسول أن لا ينظم كل واحد إيمانه على حدةٍ، بل أن يُصغوا متواضعين إلى شيوخهم الذين صقلوا إيمانهم بالآلام والتجارب المتنوعة، فيقبلوا نصائحهم من خبراتهم. طوبى لأتباع المسيح الذين لا يعيشون منفردين، بل يسمعون دروساً في الكتاب المقدس وعظات حيَّةً وكلاماً مسجَّلاً في أشرطة، ويقارنون ما سمعوه بما يقرأون في كلمة الله المطبوعة، وينتجون من هذا التعمق صلاة مبنية على كلمة ربهم.
وقد غمر الرسول المسيح بلطفه وملئه ومجده، وختم تعليمه بالجملة الصغيرة :" مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِالشُّكْرِ". قد تساعدنا الأبحاث والمناقشات في بعض الأحيان، إنما الشكر يفتح الطريق إلى عرش الله:" ذَابِحُ الْحَمْدِ يُمَجِّدُنِي, وَالْمُقَوِّمُ طَرِيقَهُ أُرِيهِ خَلاَصَ اللَّهِ" (مزمور 50: 23).
وفي هذا الموضوع نجد أحد أسباب الضيقات المسيحية، وهو أنَّنا أغنياء في الطلبات، ولكن بخلاء في الشكر والحمد. ولهذا السَّبب نصبح مُتعَبين في الروح، أنصاف مكفوفين روحيا،ً ولا نرى يسوع في مجده إلا كظلٍّ، بينما هو الذي يمنحنا الحياة الروحية والبر المقبول عند الله والشجاعة للإيمان والخدمة؛ وبدونه لا نستطيع أن نفعل شيئاً صالحاً. فأين شكرنا لمحبته وصبره وتضحيته وقوَّة روحه ورجاء مجده؟ طوبى لمَن يتوب ويتدرَّب على الشكر ويحمد الآب السماوي مِن صميم قلبه.

الصَّلَاة
نُعَظِّمك أيها الآب السماوي ونشكرك لأنَّ الرسول بولس نصحنا أن نتأصل في يسوع لكي لا نسقط فريسة البدع، بل نبني أنفسنا على ابنك وحده، ونشكره، ونحفظ كلامه ونعمل به. بارك بخاصة المؤمنين الذين يعيشون منفردين في إيمانهم، وقوِّهِم بقوة روحك ليشعروا بعنايتك وقدرتك الأزلية. آمين.
السُّؤَال
كيف قوَّى بولس الكنيسة على تأثير أهل البدع؟