Commentaries
Arabic
مرقس
  
12- تعذيب يَسُوْع بالجَلْد
(مرقس 15: 16- 20)
15:16فَمَضَى بِهِ الْعَسْكَرُ إِلَى دَاخِلِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْوِلاَيَةِ وَجَمَعُوا كُلَّ الْكَتِيبَةِ.17وَأَلْبَسُوهُ أُرْجُوَانًا وَضَفَرُوا إِكْلِيلاً مِنْ شَوْكٍ وَوَضَعُوهُ عَلَيْهِ.18وَابْتَدَأُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ قَائِلِينَ السَّلاَمُ يَا مَلِكَ الْيَهُودِ.19وَكَانُوا يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ بِقَصَبَةٍ وَيَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدُونَ لَهُ جَاثِينَ عَلَى رُكَبِهِمْ.20وَبَعْدَمَا اسْتَهْزَأُوا بِهِ نَزَعُوا عَنْهُ الأُرْجُوَانَ وَأَلْبَسُوهُ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجُوا بِهِ لِيَصْلِبُوهُ.


عندما جلَد الجند الرومانيون يَسُوْع ضربوه بسياطٍ رُبِطَت بحبالها الجلديَّة صنانير وقطع عظميَّة لكي تكشط الجلد، وتُمزِّق اللَّحم، وتنقض الظَّهر.
إنَّ السِّلسلة الفقريَّة هي مِن أشدِّ أعضاء الجسم حساسيةً، لأنَّ منها تمرُّ الأعصاب الرَّئِيْسِيّة. فمَن يُخرِّب هذا الصَّلَبَ يُعطِب الجسم كلَّه. فالجَلْدُ كان تحضيراً للصَّلْب، لكي يصبح الجسد قبل رفعه ضعيفاً، ويفقد دماً كثيراً. فكان المجلود يبدو نصف ميتٍ بعد اجتيازه مرحلة الجَلْد.
وبعد التَّعذيب كان يحق ُّ للعسكر أن يسخروا بالمجلود. فسخروا بيَسُوْع، وفعلوا به ما شاءوا، لأنَّ ساعة صلبه لم تكن قد حانت بعد. فأخذوه إلى ثكنة "أنطونيا" ذات الأبراج الأربعة المنيعة، في شمال ساحة الهيكل، والّتي كانت تطلُّ على الهيكل وتحيط به لتسهيل دخول الجند الرومانيين كلّما اقتضت الحاجة ذلك.
وكانت الفرقة الموضوعة في القدس آنَذَاكَ تتراوح ما بين 500 و 1000 جندي وضابط.
ودعا العسكر المكلَّفون تعذيب يَسُوْع زملاءهم ضاحكين وقائلين: "اليوم وجدنا غريباً يزعم أنَّه ملك اليهود، أراد أن يُحرِّض الجَمَاهِيْر على الثَّورة. هيَّا نَسجد له. وقد قال أيضاً إنَّه ابن الله، فلْنَسجُد له".
لم يؤمن أيُّ واحدٍ مِن المستهزئين بدعوة يَسُوْع وجلاله، بل رأوا رداءه الملوَّن بالدَّم، وظهره الممزَّق، وانفراده الصَّامت. وركض البعض وأتوا برداء قاضي الولاية مِن خزانة ملابس السُّخْرة، وضفروا تاجاً من شوك، وأقحموه بعنف في رأسه ضاحكين. فانغرز الشوك في جبينه، وسالت قطرات الدَّم على وجهه الطَّاهر. ما أقسى وأفظع الآلام الّتي احتملها يَسُوْع!
أمَّا يَسُوْع فلبث صامتاً صمتاً ملوكيّاً، مكابداً الآلام بشجاعةٍ وإباء، دون أن ينبس ببنت شفة، أو يتذمَّر أو يستعطف أو يولول. ولم يكتفِ أبناء الظلام بتعذيبه جسديّاً، بل عذَّبوا روحه أيضاً بتجديفهم على رَبّ الأَرْبَاب قائلين: "لِيَعِشْ ملك اليهود الفاشل. إلى الأمام سر أيُّها البطل السَّائر بدون جيش. يا راكب الحمار بدون خطَّة سياسيَّة. أيُّها الشَّافي بالعجائب دون أن تقدر على شفاء نفسك".
والبعض ركع أمامه وسجد له. لم يعلموا ماذا يفعلون، لأنَّ الشَّيْطَان قد أعمى قلوبهم، فجدَّفوا وسط سجودهم. وكي يكملوا عارهم ضربوه بقضيب على رأسه وظهره. وكانوا قبل ذلك قد وضعوا صولجاناً في يده باستهزاء.
لم يحمل يَسُوْع في يده اليمنى صولجاناً مِن ذهب وعاج، ولا مجسَّماً ذهبيّاً للكرة الأرضية في يسراه، بل أصبح صورة الاستهزاء. فضربه الوثنيُّون وبصقوا في وجهه.
هل بصق أحدٌ يوماً في وجهك، أو في عينيك؟ ما هي ردّة فعلك على عملٍ كهذا؟ انظر إلى ردَّة فعل يَسُوْع! لقد أحبَّ أعداءه، وبارك لاعنيه، وحمل بغضاء البشر جميعاً، وتحمَّل إهاناتهم وكلَّ شرٍّ ونقيصةٍ فيهم بدون تذمُّر؛ فغلب العالم كلَّه في نفسه.
وبعدما أفرغوا كلَّ ما في جعبتهم مِن سخرية واستهزاء وحقد وضغينة كامنة في قلوبهم الشِّرِّيْرة، نزعوا عنه رداء الملك، وألبسوه رداءه المخضَّب بدمه، غير عالمين أنَّ هذا الرِّداء المصنوع من قطعةٍ واحدةٍ هو شبه رداء رئيس الكهنة، فيَسُوْع رئيس الكهنة الحقيقي كان في طريقه ليُصالح البشر مع الله، باذلاً نفسه بذبيحة ذاته في سبيل المَحَبَّة؛ وغير مُدركين أنَّ مَلِك المُلُوْك قد فدى لنفسه شعباً يلبس صفاته: الوداعة والمَحَبَّة، التَّوَاضُع والجلال، الغُفران والقَدَاسَة.

الصَّلَاة
أيُّها الرَّبّ يَسُوْع، نسجد لك لأنَّ صمتك نطق بأبلغ وأفصح مِن كلِّ احتجاج ودفاع. أنت لم ترفض في محبَّتك المستهزئين والسَّاخرين. نشكرك لأجل صبرك على الآلام، ومحبَّتك تحت التَّعذيب. هَب لنا الصَّبر ورباطة الجأش كي لا نثور في ساعة الاستهزاء، ولا نُبغض مضطهدينا، بل نغلب أنفسنا، ونُحبّ أعداءنا، ونُخلِّصهم باسمك. نسجد لك، ونُعِدُّ الطَّريق لمجيئك أيُّها الملك الموعود، حَمَل الله الوديع. ونستودع نفوسنا بين يديك. أنت ملكنا في المَحَبَّة المقدَّسَة. آمين.
السُّؤَال
كيف عصّب الجنود الرُّومانيُّون يَسُوْع؟ وكيف ردَّ على استهزائهم؟