Commentaries
Arabic
مرقس
  
13- حمل الصَّلِيْب إلى المُنتَهَى
(مرقس 15: 21- 23)
15:21فَسَخَّرُوا رَجُلاً مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ.22وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ جُلْجُثَة الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ جُمْجُمَةٍ.23وَأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرٍّ لِيَشْرَبَ فَلَمْ يَقْبَلْ.


هل حمَلْتَ يوماً ساق شجرةٍ طولها ثلاثة أمتار؟ كان صليب المَسِيْح ثقيلاً ضاغطاً، وكان جسمه قد فقد قوَّته، فانهار تحت حمله وسقط.
يا لها من تعزيةٍ عظيمةٍ لنا! فقد كان على يَسُوْع أن يصبح شبيهاً لنا في كلِّ شيء. إنَّما بقي وحده بلا خطيئة. فهو يُدرك مشاعرنا وأحاسيسنا كلَّها، ولذلك يمكنه أن يرأف بنا في ضعفاتنا.
هل تحمل هموماً وخطايا وأعباء ثقيلةً في حياتك؟ هل تضغط عليك مشاكل، أو بُغْضَة، أو جوع؟ أيّاً كان صليبك، فالمَسِيْح قد حمله عوضاً عنك، ليس كبطلٍ جبَّار، بل كحمل وديع مُنكسِر استنزف قواه الجسديَّة كلَّها. إنَّ يَسُوْع يفهمك إنْ لم تستطِعْ أن تُكمل طريقك.
لم يَرْمِ يَسُوْع صليبه، بل ظلَّ متماسكاً متمسِّكاً به حتَّى عندما سقط تحته. وإذ حاول الجنود إجباره بالقوّة والضرب على النهوض لم يستطع رغم إرادته؛ فسخَّروا يهوديّاً مارّاً، أصله مِن شمال أفريقيا، كان قد أتى إلى فصح حَمَل الله في القدس، فحمل صليب يَسُوْع عوضاً عنه.
المَسِيْحُ مستعدٌّ اليوم أن يُعينك. أنت لستَ وحيداً، فهو قريبٌ منك، ويعرفك باسمك. إنَّه يقول لك ولكلِّ واحدٍ: "تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَِنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. لأَِنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ".
نتعلَّم مِن هذه الآية أنَّ يَسُوْع، كما مشى مع أبيه تحت نيرٍ واحدٍ، وحرث معه حقل العالم، هكذا يريد أن يدخل معك إلى شركة كاملة شاملة في الحياة، ويشترك معك في حَمل أثقالك، ويُشركك معه في بركاته وقُوَّته ودعوته.
فهل أنتَ متيقِّنٌ مِن ذاتك، ومتكبِّرٌ في أعماقك، وتُريد أن تحمل صليبك وحدك؟ لا تكُن غبِيّاً. فالمَسِيْح قريبٌ منك، وهو يَقبلُك تلميذاً إنْ أنت سلَّمتَ له نفسك مع مشاكلك. لا تتباطأ. صَلِّ وسَلِّمْ له حياتك، لأنَّ يَسُوْع يُحبُّك. إنَّه مُعينٌ أمينٌ ومُخلِّصٌ قديرٌ.
لا نعرف بدقَّةٍ مَن هو سِمْعَان القيرواني. رُبَّما رفع صليب يَسُوْع مُكرَهاً غاضباً مشمئزّاً، مُعتبِراً أنَّه قد تنجَّس بعمله هذا وفقاً للطقوس اليهوديَّة، وأنَّ حجَّه إلى أُوْرُشَلِيْم، الّذي كلَّفه كثيراً، قد أصبح باطلاً.
رُبَّما نظر في عينَي يَسُوْع المرميّ أرضاً، فقرأ فيهما الشُّكر لأنَّ إنساناً واحداً قد ساعده عمليّاً – وإنْ غصباً عن إرادته – في درب آلامه.
وظهر شُكر يَسُوْع فيما بعد في ابني سِمْعَان القيرواني اللذين وُلِدا ولادةً ثانيةً، وأصبحا بعدئذٍ عضوين بارزَين في كنيسة رومة. لقد حمل أبوهما صليب يَسُوْع، أمَّا يَسُوْع فحمل خطايا الأب وابنَيه، فأثمرت عائلة القيرواني ثماراً أبديَّةً وبركةً خالدة.
وصل موكب الصَّلِيْب خارج سور المدينة إلى مرتفع حيث كانت السُّوق العموديَّة للصُّلبان مغروزة بعمق في الأرض مِن قبل، معَدَّة لصلب المجرمين، لأنَّ العديد مِن العبيد والمجرمين كانوا قد صُلبوا هناك قبل يَسُوْع.
وسمَّى الشَّعب المكان "جُلْجُثَة" بمعنى "جمجمة"، حيث قُطِعَت الرُّؤوس وشُنِق اللُّصوص. ويقول بعض المفسِّرين إنَّ الهضبة المذكورة تَبدو كجمجمة بشريَّة. فصليب يَسُوْع شقَّ رمز الجمجمة البشريَّة، لأنَّ الحكماء لم يُدركوا بعقولهم وجماجمهم حكمة الإله المتجسِّد، بل صلبوا ربَّ المَجد وأفضلَ البشر.
كانت العادة أن يُسقى المحكوم عليه بالصَّلب، قُبَيْل صلبه، شراباً مخدِّراً كي يتمكَّن مِن احتمال الآلام والأوجاع القاسية الّتي تعصف بجسده ونفسه قبل موته، فلا يشعر بالعذاب كلِّه فوراً. أمَّا يَسُوْع فلم يشأ أن يشرب المخدِّر، بل أراد أن يحتمل آلام الصَّلِيْب بكامل وعيه، عالماً أنَّ في هذه السَّاعة الأخيرة من حياته يأتي الشَّيْطَان شخصيّاً ليُجرِّبه بالبُغْضَة والكفر واليأس، كي يُخطئ ولو خطيئة واحدةً، فتبطل أتعاب حَمَل الله كلُّها في الماضي والمستقبَل.
لقد شاء يَسُوْع أن يغلب الشِّرِّيْر بيقظة وهو في كامل وعيه، فرفض كلَّ شكلٍ مِن أشكال التَّخدير. استعدَّ للآلام حتَّى الموت... واستقبل بكلّ شجاعةٍ الصِّراعَ الأخير في حياته.
الصَّلاَة: أيُّها الرَّبّ القُدُّوسُ، قد أصبحْتَ ضعيفاً وانكسَرْتَ تحت صليبك، وأنت أعلمُ منِّي بضعفي ونفاد صبري ورغبتي في التَّخلُّص مِن الحمل الّذي يُثقِل كاهلي. فاغْفِر لي تذمُّرِي وارحَمْني أنا الخاطئ. ساعدني على احتمال أثقالي، ولْتَعْمَل قُوَّتك ومحبَّتك ورجاؤك وإيمانك في ضعفي، فأغلِب باسمك التَّجارب الّتي تتقاذفني... أيُّها المنتصِر، وتَنصرني. آمين.

السُّؤَال
ماذا نتعلَّم مِن حَمْل يَسُوْع صليبَه؟