Commentaries
Arabic
مرقس
  
14- عمليَّةُ الصَّلْب
(مرقس 15: 24- 25)
15:24وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا مَاذَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ.25وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ.


لم يَصِفْ أحدٌ مِن الرُّسُل بالتَّفصيل كيفيَّة صَلب يَسُوْع. فنقرأ عن أثر المسامير الصَّدِئة الّتي سُمِّر بها على خَشَبَة العار. والأغلب أنَّ الخُدَّام الّذين أُوكل إليهم صلبه قد رموه على الأرض، وعرَّوه مِن ثيابه، وسمَّروا يديه بساق الخشب بدون رحمةٍ أو شفقة.
قِف يا قلب، وأّدرِك يا ذهن أنَّ العالم يُعذِّب خالقه... يَغرس المسامير في اليدَين الشَّافيتَين المبارِكتَيْن... الدَّمُ المسفوك المتساقط على التُّراب هو دم القُدُّوس... والمَحَبَّة الّتي لم تُهمِل أحداً تُنْحَر على يد الحقد والبغضاء.
نَسجد لك يا حَمَل الله الوديع، ونُعظِّمك يا رافع خطايا العالم. قد رفعت ذنبي أيضاً وقدَّسْتَني إلى الأبد.
وحسب العادة، رفع المُكلَّفون بالإعدام الخَشَبَة المستعرضة الّتي عُلِّق عليها جسم المَصْلُوب، وجعلوها على الخَشَبَة العموديَّة المنصوبة والمثبَّتة في الأرض، وربطوا الخَشَبَة الأفقيَّة بمكان التقائهما.
وأخيراً أمسكوا بقدميه الطَّاهرتَين اللَّتين مَشَتا طويلاً في مدن الأمَّة وقراها لتزرعا الكلمة والبشارة حيثما حلَّتا، فوضعوا قدماً فوق أخرى وسمَّروهما معاً بمسمار طويل غليظ.
ما أعظم العذاب والدَّم الطَّاهر المتساقط على الأرض الملعونة بسبب عصيان البشر الّذين لم يحتملوا الإنسان المثالي الكامل، الإله الحقيقي المتجسِّد، بل صلبوه رافعين إيَّاه عن الأرض، كأنَّهم قصدوا أن لا تكون بينه وبين الكرة الأرضيَّة أيّ علاقة مباشرة!
الصَّلب وسيلةٌ شيطانيَّةٌ للإعدام، لأنَّه لا يُمِيتُ المَصْلُوب فوراً، بل يُميتُه على دفعاتٍ، عدَّة ميتات، فيحسُّ المَصْلُوب أنَّه يُعدَم مرَّاتٍ عديدة، لفظاعة وهول الآلام الجسديَّة والنَّفسيَّة الّتي يُقاسيها وهو مُسمَّرٌ على خَشَبَة العار.
أوَّلاً يُسْحَب الجسد الممزَّق بجروحه بكلِّ ثقله، فتزداد الجروح وتكبر. وبعدئذٍ تبدأ أعصاب المَصْلُوب وعروقه بالتَّجمُّد، حتَّى يُغمَى عليه بين الفينة والأخرى. وتُهاجمه صُوَرٌ مُخيفةٌ، فيرجف القلب ويخفق بقوَّة، ويَنبض بسرعة جنونيَّة، ومن ثمَّ ينبض ببطء شديد حتَّى يظنّ المَصْلُوب أنَّه سيتوقَّف عن الخفقان... ويتزايد الشُّعور باليأس الشَّديد مع التَّصلُّب والانهيار الكُلِّي. يا لبشاعة فكر الإنسان الّذي ابتكر هذه الميتة الشَّيْطَانيَّة الرَّهيبة لمعاقبة أخيه الإنسان.
نسجد لك يا حَمَل الله القُدُّوس، لأنَّك رفعتَ بجسدك الطَّاهر خطايا العالم كلّها، وكفَّرتَ أيضاً عن ذنوب القارئ الّذي يقرأ هذه الكلمات. فامنحه الإيمان بالخلاص التَّامِّ ومصالحته مع الله بواسطة آلامك وموتك.
حَدَث صلبُ يَسُوْع حوالي الساعة التَّاسعة صباحاً، عندما كانت أشعَّة الشَّمس لطيفةً لم تشتدّ بعد؛ لأنَّ نهار اليهود يبدأ في السَّادسة صباحاً، فالسَّاعة الثالثة عندهم توافق السَّاعة التاسعة عندنا.
ونَعلم من هذا التَّوقيت أنَّ المباحثات عند الوالي الروماني، وحكمه على يَسُوْع بالموت، وجلد المحكوم عليه، وسوقه إلى الجُلْجُثَة، وصلبه، لم تَدُم كلّها طويلاً؛ لأنَّ الوالي واليهود عمدوا إلى الإسراع في ذلك على نحو ذكيّ، بقلوب قاسية مملوءة حقداً وتعصُّباً وضغينة.
وجلس العبيد المكلَّفون بالصَّلب تحت صليب يَسُوْع، كما اعتادوا الجلوس تحت صليب أيّ مجرم، ليقترعوا على ثياب المَصْلُوب. لقد حمل يَسُوْع رداءه الكهنوتي إلى المنتهى، فلم يشاءوا أن يقسموا رداءه الثَّمين هذا فيما بينهم، كي لا يفقد قيمته، فاقترعوا عليه ليكون مِن نصيب مَن تقع عليه القُرعة.
اليوم يُسرع الناس إلى أَعْمَالهم في زحمة الشوارع، كلٌّ يسعَى لتأمين لقمة العيش والرَّفاهية لنفسه ولعائلته... يَعدُّون النُّقود بأيديهم، ويُفكِّرون بالأرباح، ويُخطِّطون لأنفسهم، ويسعون لتحقيق أحلامهم، دون مبالاةٍ بوجود يَسُوْع، وحقيقة صلبه. فلا يتأمَّلون المعاني السَّامية لذبيحة ذاته، ولا يُحرِّك العطف قلوبهم تجاه مَن عُلِّق على الصَّلِيْب بلا خطيئة، باذلاً نفسه القُدُّوسة لأجل الجميع.
أخي القارئ، هل سيرة حياتك موجَّهة نحو الصَّلِيْب؟ هل الصَّلِيْب هدف حياتك وغاية تفكيرك؟ هل أنت متمسِّكٌ بنعمة الفَادِي الحنون؟ لقد تعمَّق الرَّسُول بُوْلُس في مَحَبَّة المَصْلُوب بكل ّ قلبه وكيانه، حتَّى كتب: "مع المَسِيْح صُلِبْتُ، فأحيا لا أنا، بل المَسِيْح يَحْيَا فيَّ" (غَلاَطِيَّة 2: 20).
كما أخبرنا لُوْقَا بأوَّل عبارة نطق بها يَسُوْع في اللَّحظات الأولى من صلبه، وهي: "يا أبتاه، اغفر لهم لأنَّهم لا يَعلمون ماذا يَفعلون" (لُوْقَا 23: 34).
لقد شمل يَسُوْع، بصلاته الكهنوتيَّة هذه، العبيد ورؤساء الكهنة والوالي الروماني والنَّاس جميعاً. فرئيسُ الكهنة الإلهيّ لم يلعن قاتليه، ولم يرفض جَمَاهِيْر الخطاة، بل خلَّصهم وباركهم وصلَّى لأجلهم. وبالحقيقة استجاب الله القُدُّوس صلاته. لذلك أدعوك أيّها القارئ العزيز إلى تأمُّل صلاة يَسُوْع الشِّفَاعِيَّة وهو معلَّق على الصَّلِيْب، لتنال منها البركة، فتخلص، وتثبت في الخلاص، وتشكره بتسليم حياتك شُكراً له.

الصَّلَاة
يا رجل الأوجاع، محبَّتك تتجاوز حدود عقولنا ومداركنا، وقوَّتك قد فاقت في ضعفك. لم تَلْعَن مُسمِّريك، بل صلَّيت لأجلهم، وخلَّصْتَنا جميعاً. نؤمن بأنَّك شفعتَ فينا عندما صرختَ: "يا أبتاه اغفر لهم لأنَّهم لا يَعلمون ماذا يَفعلون". ساعدنا على أن نُحبَّك، ونرى صليبك دائماً في طريقنا محوراً لحياتنا، وأساساً لإيماننا، وقوَّةً لأَعْمَالنا. ها أنا أُسلم نفسي لك، يا حَمَل الله القُدُّوس، لأنَّك رفعتَ خطيئة العالم كلّها. آمين.
السُّؤَال
كيف صُلب يَسُوْع عملياً؟