Commentaries
Arabic
غلاطية
  
6- غيرة بُوْلُس على أولاده في الرُّوح وألمه الشَّديد لأجلهم
(غلاطية 4: 8- 20)
4:8لَكِنْ حِينَئِذٍ إِذْ كُنْتُمْ لاَ تَعْرِفُونَ اللهَ اسْتُعْبِدْتُمْ لِلَّذِينَ لَيْسُوا بِالطَّبِيعَةِ آلِهَةً.9وَأَمَّا الآنَ إِذْ عَرَفْتُمُ اللهَ بَلِ بِالْحَرِيِّ عُرِفْتُمْ مِنَ اللهِ فَكَيْفَ تَرْجِعُونَ أَيْضًا إِلَى الأَرْكَانِ الضَّعِيفَةِ الْفَقِيرَةِ الَّتي تُرِيدُونَ أَنْ تُسْتَعْبَدُوا لَهَا مِنْ جَدِيدٍ.10أَتَحْفَظُونَ أَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَوْقَاتًا وَسِنِينَ.11أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ أَكُونَ قَدْ تَعِبْتُ فِيكُمْ عَبَثًا


كان الغَلاَطِيُّوْنَ سابقاً أمميِّين وثنيِّين لا يَعرفون الله حقّاً، على الرَّغم مِن عباداتهم لأصنامٍ مختلفة. وإنَّنا نجد كثيرين كهؤلاء مِمَّن يخدمون آلهةً وتماثيل وأرواحاً مضِلَّةً، ويعتبرون وسوسة الشَّيْطَان وحياً لهم، ولكنَّهم لا يعرفون الله حقّاً، بل يشتاقون إليه، محاولين إرضاءه بقرابين وتضرُّعات، رغم أنَّه لا يزال بالنِّسبة إليهم الإله المجهول.
ولكن الحمد لله على الانقلاب الرُّوْحِيّ الَّذي حصل في حياة الغَلاَطِيِّيْنَ الَّذين كانوا يعبدون الأصنام، ومِن ثمَّ عرفوا الله الحيَّ بعد زيارة بُوْلُس لهم، فتمتَّعوا بأبوَّته الرَّؤوفة، متأكِّدين أنَّه جعلهم أولاداً له بالسُّلطان الَّذي منحهم إيَّاه المسيح بعدَما قبلوه مخلِّصاً. وبواسطة هذا الإيمان تحرَّروا مِن شكاوى النَّاموس (شريعة موسى) وتبكيت الضَّمير، وعاشوا في سلام الرُّوح مع الله والنَّاس. وجوهر إيمانهم ليس الاشتياق إلى الله فقط، بل اختبارهم أنَّه اهتمَّ بهم، وطلبهم، وعرفهم، وتبنَّاهُم. فصار إيمانهم مبنيّاً على نعمة عمل الله في المسيح والرُّوْح القُدُس، وليس على جهودهم الخاصَّة الباطلة.
بعد مُدَّةٍ مِن الزَّمن، وقع الغَلاَطِيُّوْنَ، مرَّةً أُخرى، في قبضة النَّاموس (شريعة موسى) فبدأوا يحفظون السُّبوت وأنظمة الطَّعام ليُرضوا الله، كأنَّ هذا هو عمل البِرِّ الَّذي يكفيه. وتوهَّموا أنَّ الختان قد يُقدِّسهم أكثر مِمَّا قدَّسهم دم المسيح وقوَّة الرُّوْح القُدُس. فاضمحلَّ إيمانُهم النَّشيط الأصليّ، وعادوا إلى النَّظرة الإنسانيَّة، تاركين امتيازهم بالنِّعْمَة، وسقطوا مرَّةً أُخرى في عبودية النَّاموس (شريعة موسى) ويأس الجسد، وداسوا ذبيحة المسيح.
لم يُرتِّب بُوْلُس يوماً معيَّناً في الأسبوع، ولا عيداً بارزاً في السَّنة، لأنَّه لم يعتبر يوماً أقدس مِن الآخَر. ونحن، بَعد المسيح، لا نُقدِّس أيَّاماً ولا أعياداً، بل ننظر إلى الإنسان المؤمن على أنَّه قدِّسٌ مقدَّسٌ. فجميع الأيَّام مقدَّسةٌ لقَدَاسَة المؤمن، حتَّى إنَّ حياته وأَعْمَاله ونومه وموته هي جزءٌ من العبادة المَسِيْحِيّة، لأنَّنا نخدم الرَّبّ بكلِّ نبضةٍ مِن قلوبنا، وبكلِّ شهقةٍ مِن شهيقنا. وهكذا نقرأ: "وَكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ فَاعْمَلُوا مِنَ الْقَلْبِ كَمَا لِلرَّبِّ لَيْسَ لِلنَّاسِ" (كولوسي 3: 23). فهل أصبحت حياتك كلُّها حمداً وخدمةً وشُكراً لأبيك السَّمَاوِيّ.
حفظ المَسِيْحِيّون الأمميُّون يوم الأحد، ليس إرضاءً لله، ولا كسباً لبرٍّ زائدٍ على النِّعْمَة المعطاة لهم، بل لأنَّهم أرادوا تعيين يومٍ في الأسبوع يجتمعون فيه. فلم يجدوا أفضل من يوم الأحد، لأنَّ فيه قام الرَّبّ مِنْ بَيْنِ الأَمْوَاتِ. فاختاروا هذا اليوم، ليس كفريضةٍ، بل كرمزٍ للعهد الجديد الَّذي لا يُطالبنا أوَّلاً بحفظ الأحكام، بل يمنحنا الحَيَاة الإلهيَّة مجَّاناً. فسلوكنا غير مرتبطٍ بأزمنةٍ وطقوسٍ، بل إنَّنا قد انتقلنا إلى حياةٍ روحيَّةٍ. وسلوكنا مستترٌ في السَّماء مع ربِّنا يسوع المسيح الَّذي جعلنا مِن الخالدين وليس مِن الفانين.

الصَّلَاة
نُعظِّمك أيُّها الآب السَّمَاوِيّ لأنَّك جعلتَنا أولاداً لك، ونقلتَنا من الزَّمن إلى الأبد، ومن الفساد إلى البقاء. ساعدنا على ألاَّ نتمسَّك بطقوسٍ أو أنظمةٍ أو أعيادٍ، كأنَّ هذه الأساليب النَّاموسيَّة (شريعة موسى) تُقدِّسنا وتُرضيك، لأنَّ رضاك عنَّا إنَّما هو في المسيح. وإيماننا بدمه قد برَّرنا وحرَّرنا مِن التَّقْدِيْس الذَّاتي. قدِّس حياتَنا لتُصبح كلّ ثانيةٍ مِن الزَّمن الموهوب لنا على هذه الأرض حمداً وشُكراً لك.
السُّؤَال
لماذا لم يهتمّ بُوْلُس بحفظ أيَّام معيَّنة لعبادة الرَّبّ؟