Skip to content

Commentaries
Arabic
مرقس
  
7- صراع يَسُوْع في الصَّلاَة
(مرقس 14: 39- 42)
14:39وَمَضَى أَيْضًا وَصَلَّى قَائِلاً ذَلِكَ الْكَلاَمَ بِعَيْنِهِ.40ثُمَّ رَجَعَ وَوَجَدَهُمْ أَيْضًا نِيَامًا إِذْ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ ثَقِيلَةً فَلَمْ يَعْلَمُوا بِمَاذَا يُجِيبُونَهُ.41ثُمَّ جَاءَ ثَالِثَةً وَقَالَ لَهُمْ نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا. يَكْفِي، قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. هُوَذَا ابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ.42قُومُوا لِنَذْهَبَ. هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُنِي قَدِ اقْتَرَبَ


خيَّم الظَّلام الدَّامس على العالم وعلى يَسُوْع البارّ، وتكاثف غضب الله على حامل خطايانا، وانقضَّت جيوش الشَّر على نفوس أتباعه. وذهب يَسُوْع إلى بستان جَثْسَيْمَانِي خارج المدينة، حيث معصرة الزَّيت الّتي ترمز إلى شخص يَسُوْع الدَّاخل إلى معصرة دينونة الله، لِيُعْصَر هو عوضاً عنَّا، وينسحق ليخرج منه زيت الرُّوْح القُدُس حتَّى آخر نقطة، مثلما يسحق حجر المعصرة الزَّيتون ليُخرج منه زيتاً.
ارتجف يَسُوْع، واكتأب، وحزن حتَّى الموت؛ ولا يستطيع أن يفسِّر خوفه ورعبه إلاَّ مَن أحبَّه واختبر حنانه، فهذا يمكنه أن يفسِّر هذه المرحلة مِن حياة يَسُوْع بتؤدةٍ وحذر.
فابن الله لم يكن خائفاً مِن الموت، ولا مِن الشَّيْطَان، وهو الّذي كان قد صارع هذه السلطات الشِّرِّيْرة، وغلبها في جسده، منتصراً عليها مرَّاتٍ عديدة.
إنَّما بعد تواضعه ورفعه خطيئة العالم في محبَّته، حجب أبوه العادل القُدُّوس وجهه عنه، وجعله "كبش الخطيئة" نائباً عن جميع الأُمم، وحمَّله قصاصنا نحن.
ارتجف يَسُوْع وارتعد لأجل انفصاله عن أبيه أثناء دينونة العالم المنصبَّة على شخصه. فجسد المَسِيْح ونفسه كإنسان كانا معارضَين لشرب كأس غضب الله المرير المُعَدّ للنَّاس عقاباً على خطاياهم.
فصلَّى الابن صلاة النَّجدة، ليُخلِّصه أبوه مِن السَّاعة الرَّهيبة، إن كانت ثمَّة إمكانيَّةٌ أُخرى لخلاص العالم. وبارتجافٍ وسجودٍ ناضل لفداء الكون، طالباً طريقاً آخَر إن أمكن، دون استجابةٍ مِن أبيه. ورغم هذه الأمنية انكسر، وأنكر ذاته كلِّيّاً، ملتمساً تنفيذ إرادة أبيه قبل كلِّ شيءٍ. واستعدَّ لشُرب كأس غضب الله. وهذا الصِّراعُ الرَّهيبُ يُعلِّمنا أنَّه لا توجد طريقةٌ أُخرى لفداء العالم إلاَّ بالصَّلِيْب.
أتى يَسُوْع إلى تلاميذه ليساندوه ويُشجِّعوه بصلواتهم، لكنَّهم ناموا، أمَّا بُطْرُس الّذي كان قبيل دقائق مصرّاً على مساعدة المَسِيْح مهما كلَّفه الأمر، فقد استغرق في النَّوم، بتأثير سلطان الظُّلمات. فلا يستطيع إنسانٌ أن يغلب الأبالسة بقوَّته الذَّاتيَّة، لأنَّ روح الله وحده هو القادر على حماية المؤمنين وتحقيق الغلبة والانتصار لهم.
إنَّ كُلَّ مَن يتَّكل على نفسه، يختبر أنَّ الظُّلمة تُنوِّمه في اللحظة الحاسمة، فالصِّراع مشلولٌ قبل بدايته. وقد نبَّهَنا يَسُوْع، باختباراته الخاصَّة، إلى ضرورة السَّهر بقوَّة الرُّوْح القُدُس، والتَّعمُّق في الكِتَاب المُقَدَّس، والصَّلاَة باستمرار؛ لأنَّ دراسة الكِتَاب المُقَدَّس تقوِّي أذهاننا على تمييز الأَرْوَاح الشِّرِّيْرة وطرقها العديدة، وبالصَّلوات نتغلَّب على تجارب إبليس المُحتال.
أمَّا مَن لا يقرأ الإِنْجِيْل بانتباهٍ، ولا يُصلِّي بمواظبة، فيسقط في التَّجربة حتماً، على الرَّغم مِن استعداد إرادة الإنسان لخدمة الله. فالجسد ضعيفٌ، ونحن جميعاً محتاجون إلى قوَّة الله، كي يقوِّي روحُه روحَنا ويقودنا إلى الانتصار. فلا تهمل الحقيقة أنَّ الأمور الإيمانيَّة والتَّقدُّم إلى الله إنَّما هما في الواقع مصارعة أَرْوَاح، وروح الله وحده هو القادر على أن يُلهمك ويقوِّي روحك حتَّى تغلب شهوات جسدك وغباوة روحك.
نام التَّلاَمِيْذ جميعاً في ذلك الصِّراع الرُّوحي، على الرَّغم من وصيَّة المَسِيْح لهم وأمره إيَّاهم بالسَّهر. وهذا الاختبار يوضح لنا أنَّه لا يستطيع أحدٌ أن يُصالح العالم مع الله، أو أن ينتصر على الشَّيْطَان إلاَّ يَسُوْع وحده الّذي سهر وصلَّى باستمرارٍ رغم أنَّ جميع أتباعه ناموا. فما أعظم التَّعزية بسهر يَسُوْع! لأنَّه ليس نائماً الآن في السَّماء، بل هو السَّاهر ليلاً نهاراً، ويشفع فينا، رغم أنَّنا نائمون وضعفاء. فأمانته غالبةٌ عدمَ إيماننا، وقوَّته تكمل في ضعفنا.
يا للخسارة الكبرى! كان البشر نياماً في بدء السَّاعة الحاسمة الّتي أنبأ بها يَسُوْع مِن قبل مراراً. السَّماء والأرض انتظرتا هذه السَّاعة. ولكن يَظهر أنَّ تعليم يَسُوْع كلَّه لم ينفع التَّلاَمِيْذ، لأنَّ الرُّوْح القُدُس لم يكن قد حلَّ فيهم بعد.
"يكفي"، قالها يَسُوْع عند رسوب تلاميذه في الامتحان الإلهيِّ. قال يَسُوْع أخيراً لتلاميذه: "هوذا"، كي يفتحوا عيونهم لمشاهدة الأحداث الغريبة الّتي تجري أمامهم. فكلَّما قرأت في الكِتَاب المُقَدَّس كلمة "ها"، افتح عينيك وانتبه. فماذا كان الأمر المُهمّ في تلك اللحظة؟ إنَّ يَسُوْع المَسِيْح القدير قد خضع لمشيئة أبيه، وسمح بأن يُقيِّده الخطاة بعنف. فالخالق قد سلَّم نفسه لأيدي مخلُوْقَاته الخطاة.
لكنَّه أيقظ تلاميذه النِّيام، قُبيل تسليمه نفسه، كي يتمكَّنوا مِن الهرب، قائلاً لهم: "هوذا الخائن يجازي أمانتي بخيانته. أنا أفديه، وهو يُبغضني. أُصلِّي لأجله، فيرفضني، مُهلكاً نفسه بنفسه".
وأنتَ يا أخي، هل تنام؟ أم تنتبه لكلام يَسُوْع ساهراً مصلِّياً؟

الصَّلَاة
نشكرك أيّها الرّبّ يَسُوْع لأجل آلامك الّتي احتملتها عوضاً عنَّا. اغفر لنا تخيُّلاتنا البشريَّة، ونومنا الرُّوحي، وأيقظنا بكلامك لنميِّز التَّجارب المُنْقَضَّة علينا. قَوِّنا بروحك القُدُّوس لننفِّذ وصاياك، ونُتمِّم إرادتك، ونُعظِّمك، لأنَّك تسهر وتشفع فينا. قد شربتَ كأس غضب الله لأجلنا. آمين.
السُّؤَال
لماذا اكتأب يَسُوْع؟